الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
240
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
بعد موت أبيه السقاية والرفادة ، وذلك انّ عبد شمس كان يسافر وقلّ أن يقيم بمكة - وكان رجلا معيلا ، وكان له ولد كثير - وكان هاشم رجلا موسرا ، فكان إذا حضر الحج قام في قريش فقال : إنّكم جيران اللّه وأهل بيته ، وإنهّ يأتيكم في هذا الموسم زوّار اللّه يعظمون حرمة بيته ، فهم لذلك ضيف اللّه ، وأحق ضيف بالكرامة ضيف اللّه ، وقد خصّكم اللّه بذلك وأكرمكم به ، ثم حفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره ، فأكرموا ضيفه وزواّره ، فإنّهم يأتون شعثا غبرا من كلّ بلد ، ضوامر كالقداح وقد ارجفوا وتفلوا وقملوا وارسلوا ، فأقروهم وأعينوهم . فكانت قريش تترافد على ذلك ، وكان هاشم يخرج في كلّ سنة مالا كثيرا ، وكان يقول لقريش : فوربّ هذه البنيّة لو كان لي مال يحمل ذلك لكفيتموه ، ألا وإني مخرج من طيّب مالي وحلاله ما لم يقطع فيه رحم ولم يؤخذ بظلم ، ولم يدخل فيه حرام . وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج منكم رجل من ماله لكرامة زوّار بيت اللّه ومعونتهم إلّا طيبا ، لم يؤخذ ظلما ، ولم يقطع فيه رحم ، ولم يغتصب . فكانت قريش تخرج من صفو أموالها ما تحتمله أحوالها ، وتأتي بها إلى هاشم فيضعه في دار الندوة لضيافة الحاج ، وكان هاشم يأمر بحياض من ادم ، يجعل في موضع زمزم من قبل أن تحتفر ، يستقي فيها من البئار التي بمكة فيشرب الحاج ، وكان يطعمهم أوّل ما يطعم قبل يوم التروية بيوم ، بمكة ومنى وبجمع وبعرفة ، وكان يثرد لهم الخبز واللحم والسمن والسويق والتمر ، ويحمل لهم الماء فيسقون بمنى - والماء يومئذ قليل - إلى أن يصدروا . وقال الجاحظ : كان يقال لهاشم : القمر . كان بين مطرود الخزاعي وبعض قريش شيء ، فدعاه إلى المحاكمة إلى هاشم ، وقال : إلى القمر الساري المنير دعوته * ومطعمهم في الأزل من قمع الجزر وقال ابن بكار : قالوا لهاشم : عمرو العلي لمعاليه ، وكان أول من سن